البخيل والماء

البخيل والماء



البخيل والماء
البخيل والماء 

قصة البخيل القاسية مع الماء

تعتبر قصة "البخيل وزجاجة الماء" درساً قاسياً في عواقب البخل الشديد الذي قد يدفع صاحبه للتضحية بأغلى ما يملك—صحته—في سبيل توفير قروش معدودة. 
المحتويات


البخيل وصراع العطش: قصة الثمن الباهظ للماء المجاني

​كانت شمس أغسطس تتربع في كبد السماء كقرص من نار صهرت الأسفلت وجعلت الهواء يخرج من الصدور كالحميم. في هذا الجو اللافح، كان "منصور" يسير متثاقلاً، وقد تحول حلقه إلى قطعة من الخشب الجاف، وصار ريقه مالحاً كأنه ابتلع حفنة من رمال الصحراء. منصور، الذي اشتهر بين جيرانه بلقب "البخيل"، لم يكن الفقر هو ما يمنعه من ري ظمئه، بل كانت تلك الغصة التي يشعر بها كلما اضطر لإخراج قطعة نقدية من جيبه.

​لحظة المواجهة أمام الكشك

​وصل منصور إلى ذروة عطشه، حتى خُيل إليه أن سراباً يلوح أمامه. وفجأة، لاحت له لافتة "كشك" صغير تتراص فيه زجاجات المياه المعدنية الباردة، وقد غطاها الندى لتبدو كقطع من الألماس. اقتربت يده المرتجفة من جيبه، وأخرج بصعوبة بالغة بضع عملات نقدية، وعيناه مسمرتان على تلك الزجاجة التي تقطر برودة.
​في تلك اللحظة، وبينما كان يهم بمد يده للبائع، انبعث من أعماقه ذلك الصوت المألوف، صوت "شيطان البخل" الذي يسكن عقله. صرخ الصوت بحدة:
​"يا مغفل! يا أهبل! أتجننت؟ أتدفع مالاً حقيقياً كسبته بعرق جبينك في مقابل ماذا؟ شوية مية؟ الماء الذي ينزل من السماء مجاناً وتجري به الأنهار، تشريه بمالك؟ أعد النقود فوراً إلى مخبئها!"
​تراجع منصور خطوة للخلف، نظر للنقود ثم للزجاجة، وشعر بغثيان ليس من العطش بل من فكرة "التبذير". استدار بحدة وابتعد عن الكشك، وهو يقنع نفسه ببطولة زائفة أنه انتصر على "شهوة الشرب".

​الفخ المجاني: "الزير" الملوث

​بعد خطوات قليلة، وجد منصور ما اعتبره "كنزاً": زير فخاري قديم يغطيه غطاء خشبي مهترئ، وفوقه "كوز" معدني صدئ مربوط بسلسلة. لمعت عينا منصور بانتصار زائف، وخاطب نفسه ساخراً:
"أرأيت يا مغفل؟ كدت تدفع مالك، وها هي المياة المجانية تناديك. اشرب حتى ترتوي بلا مقابل."
​رفع الغطاء، ففاحت رائحة رطوبة قديمة، لكن عطشه كان قد أعمى حواسه. غمس الكوز في جوف الزير، وشرب بشراهة غريبة، يبتلع الماء الذي كان يعج ببكتيريا لا تراها العين، لكنه في نظره كان "أحلى من الشهد" لأنه ببساطة... ببلاش.

​نشوة الانتصار وبداية الكابوس

​واصل منصور سيره نحو بيته وهو يشعر بنشوة عارمة. كان يبتسم لكل مارة في الشارع، ليس حباً فيهم، بل سخرية من كل شخص يراه يحمل زجاجة ماء اشتراها بماله. وصل إلى باب شقته، وما إن وضع المفتاح في القفل حتى بدأت أولى بوادر "الثمن الحقيقي" تظهر.
​لم تكن مجرد قرصة جوع أو عطش، بل كان مغصاً مفاجئاً وكأن حية رقطاء استيقظت في أمعائه وبدأت تنهش جدران معدته. دخل الشقة مسرعاً، حاول تجاهل الأمر وبدأ بخلع ثيابه ليرتاح، لكن الألم لم يكن ينوي الرحيل.

​سكين في الأحشاء

​تحول المغص البسيط إلى سكاكين حادة تقطع أحشاءه بقسوة. لم يعد منصور قادراً على الوقوف مستقيماً. انهار على السرير وهو يصرخ بصمت، والعرق البارد يغطي وجهه. كانت تلك المياة "المجانية" قد أعلنت الحرب على جسده. تذكر لحظتها تلك الزجاجة الباردة النظيفة في الكشك، وأدرك -متأخراً جداً- أن ثمن الصحة لا يُقدر بمال.
​تحامل على نفسه، وارتدى ثيابه بصعوبة، ونزل يجر أذيال الخيبة والوجع متوجهاً إلى مستوصف قريب. هناك، بدأت رحلة استنزاف المال الذي طالما حافظ عليه.

​التشخيص القاسي والدرس المتأخر

​بعد الكشف والفحوصات، جاء صوت الطبيب حازماً: "تسمم حاد نتيجة شرب مياه ملوثة".
خرج منصور من المستوصف وهو يحمل كيساً كبيراً من الأدوية، وقد دفع في هذه الزيارة الواحدة ما يعادل ثمن مئات الزجاجات من تلك المياه التي بخل بها على نفسه.
​عاد إلى بيته يجر خطاه، ينظر إلى كيس الدواء بحسرة، ويتمتم في سره:
​"دفعت ثمن بخلي أضعافاً مضاعفة.. حقاً، الغالي ثمنه فيه، والرخيص المجاني قد يقتلك."

​الدروس المستفادة من القصة:

​البخل لا يوفر المال: بل ينفقه في سبل علاج الأخطاء الناتجة عنه.
​الصحة أغلى من الذهب: التوفير في أساسيات الصحة هو نوع من الانتحار البطيء.
​الجودة لها ثمن: المياه النظيفة والمعقمة ليست رفاهية، بل ضرورة للحياة.

أحمد البوهى 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب كليلة ودمنة( الجزء الثامن )

تلخيص كتاب كليلة ودمنة (الجزء الأول)

تلخيص كتاب كليلة ودمنة ( الجزء الخامس )

فيس بوكتويتر لينكد ان بنترست واتس اب

انضم إلى مدار الوعي

هل أنت مستعد لتلقي تحديثات الوعي القادمة؟ أرسل بريدك الإلكتروني لتفعيل الاتصال.