تقرأ قصة كوميكس في حجرة جدها

تقرأ قصة كوميكس في حجرة جدها
تقرأ قصة كوميكس في حجرة جدها


صراع الأجيال في "حجرة الجد": ما هو الكوميكس يا جدي؟

بقلم: أحمد البوهي (بتصرف)

الفصل الأول: هدوء الحجرة القديمة

​كانت حجرة الجد تفوح برائحة الكتب القديمة وخشب الزان العتيق. هو رجل سبعيني، قضى عمره بين دواوين الشعر والروايات الكلاسيكية الضخمة لمؤلفين مثل نجيب محفوظ وطه حسين. بالنسبة له، القراءة هي طقس مقدس يتطلب الهدوء والنظارات السميكة والجلوس في وضعية مستقيمة.

​دخلت حفيدته الصغيرة الغرفة، وهي طفلة في العاشرة من عمرها، تحمل حيوية العصر الجديد في حقيبتها الظهرية الملونة. جلست بجانب جدها على "الكنبة" الوثيرة، وبدأت تخرج أشياءها. كان الجد ينظر إليها بابتسامة حانية، فهي رفيقة وحدته ومصدر بهجته.

​بعد حديث قصير عن المدرسة والمذاكرة، سحبت الطفلة من حقيبتها مجلة لامعة الغلاف، مليئة بالألوان الصارخة والرسومات الجذابة، وفتحتها بلهفة، وبدأت تقلب صفحاتها وهي تبتسم تارة، وتشهق من الحماس تارة أخرى.


الفصل الثاني: البداية.. ما هذا الشيء؟

​راقب الجد  حفيدته وهي تقرأ بنهم، لكن شيئاً ما كان يزعجه؛ فهو لا يرى سطوراً متراصة من الكلمات، بل يرى صوراً وصناديق ملونة.

​الجد: "أنتِ بتقرأي إيه يا حبيبتي؟ شايفك مندمجة أوي، كأنك بتقرأي كتاب فيزياء نووية!"

​الحفيدة (دون أن ترفع عينيها): "قصة كوميكس يا جدو، دي ممتعة جداً."

​الجد (بدهشة): "يعني إيه كوميكس؟ الكلمة دي غريبة على ودني.. دي لغة جديدة ولا إيه؟"

​الحفيدة: "كوميكس يا جدو يعني قصة مصورة."

​الجد (يعتدل في جلسته): "مصورة إزاي؟ أنا مش فاهم.. على أيامي كانت القصص بتتكتب بكلمات مرصوصة، والواحد يتخيل البطل في دماغه. كان الكاتب يوصف لنا لون الشجر وشكل البيت، وإحنا نتخيل. إنما مصورة دي، يعني زي الصور اللي بنعلقها على الحيطة؟"

​الحفيدة (تحاول الحفاظ على تركيزها): "يا جدو، دي طريقة تانية للحكايات. سيبني بقى يا جدو أقرأ القصة، لأنها جميلة قوي وفيه مشهد أكشن دلوقتي، وبعدين هبقى أفهمك بالراحة يعني إيه قصة مصورة."


الفصل الثالث: فضول الجد الذي لا يهدأ

​الجد لم يستطع الصمت، ففضول المثقف بداخله استيقظ: "طب ممكن أشوفها؟ بس نظرة واحدة." نظرة واحدة، ومش هاتكلم تاني خالص، وهقعد ساكت زي الكرسي اللي انا قاعد عليه، هيه قولتى إيه؟

​الحفيدة: "ليه يا جدو؟ أنت عندك مكتبة كاملة وراك فيها كتب أد كده." ماتقرا فيها، ويبقى وانت قاعدين نقرا سوا.

​الجد: "عشان أعرف يعني إيه قصة مصورة، يمكن ألاقي فيها حكمة ولا معلومة تفيدني في سني ده."

​الحفيدة: "بعد ما أخلصها يا جدو، زي ما وعدتك من شوية، هاديها لك تشوفها وتتفرج على الرسومات."

​الجد (بإلحاح): "بس أنا عاوز أعرف دلوقتي.. الفضول هيموتني. يعني إيه القصة المصورة دي؟ هل هي سينما في ورق؟"

​الحفيدة (بدأت تفقد صبرها قليلاً): "يا جدو، بعد ما أقرأها هخليك تشوفها.. سيبني أقرأها وأنا قاعدة معاك، وإلا هخرج وأسيبك وأروح أقرأها في غرفتي عشان التركيز."

​خاف الجد أن تفارقه حفيدته وتتركه لوحدته، فقال بسرعة: "خلاص، خلاص.. أنا هسكت تماماً، بس بشرط إني أقرأها بعد ما تخلصي فوراً."


الفصل الرابع: معركة المصطلحات "الكوميكس والكوريكس"

​الحفيدة: "بس دي قصة للأطفال يا جدو، وأنت كبير.. أنت بتقرأ حاجات تانية، تنفع للكبار."

​الجد: "أنا كبير فعلاً، لكن عمري ما قريت 'الكومووووكيس' ده اللي بتقريه ده.. الواحد لازم يواكب العصر."

​الحفيدة (تنفجر ضاحكة): "اسمه كوميكس يا جدو.. كو-ميكس."

​الجد: "أيوه.. كوبيكس، مانا عارف.. إسمه كوبيس."

​الحفيدة (تضحك أكثر): "كوميكس يا جدو.. بالميم..قولها بالميم ، كوميكس!"

​الجد (بثقة زائفة): "آه فهمت، قصدك كوريكس! أيوه، كوريكس، يعني كراسة.. ما تقولي كراسة رسومات من الأول!"

​الحفيدة: "يا جدو كراسة إيه! دي قصة كوميكس، يعني قصة وفيها رسومات توضح الحكاية، زي كده.. بص، فيه شخصية بتتكلم، وفيه بلونة طالعة من بؤها فيها الكلام."

​الجد (يقترب بنظارته): "بلونة؟ هي القصة فيها حفلة عيد ميلاد؟"

​الحفيدة: "لأ يا جدو، البلونة دي اسمها (فقاعة الكلام)، يعني بدل ما الكاتب يقول 'قال البطل'، بنرسم الكلام طالع من الشخصية."

​الجد: "آه.. لو كنتِ شوفت القصة من البداية، كنت فهمت السيستم ده."


الفصل الخامس: التخريف التقني

​الحفيدة: "فهمت إيه يا جدو؟"

​يتلعثم الجد ويحاول استعادة وقاره: "فهمت الكوكوكس.. اللي إنتِ دوشاني به ده من ساعة ما قعدتي معايا."

​الحفيدة (تمسكه من يده): "يا جدو يا حبيبي، اسمه كوميكس، والكوميكس ده عبارة عن قصص مصورة، وممكن تلاقيها في مجلات أو حتى على النت."

​هنا توقف الجد، وقطب حاجبيه: "إيه؟ قلتِ إيه؟ النت؟"

​الحفيدة: "أيوه، الكوميكس دلوقتي بقى ديجيتال وموجود على المواقع."

​الجد (بلهجة استنكار كوميدية): "إيه علاقة النت بالكتب؟ هتخرفي يا بنتي؟ ولا فاكرة إنك ممكن تضحكي عليا عشان أنا من جيل الراديو؟ إزاي الورق ده يبقى جوه السلوك والكهرباء؟"

​الحفيدة: "يا جدو، التكنولوجيا غيرت كل حاجة، حتى الكوميكس بقى يتشاف على الشاشات."

​الجد: "لا يا بنتي، القصة يعني ورق، والنت يعني وجع دماغ.. أنتم جيل عاوز يصور كل حاجة حتى الخيال!"


الفصل السادس: محاولة الاندماج الأخيرة

​في النهاية، أغلقت الحفيدة القصة وأعطتها لجدها. بدأ الجد يقلب الصفحات ببطء، ينظر لصور الأبطال الخارقين ببدلاتهم الملونة، ويحاول قراءة الكلمات داخل "البلونات".

​الجد: "يعني الراجل ده بيطير من غير طيارة؟"

​الحفيدة: "أيوه يا جدو، ده سوبر مان."

​الجد: "سوبر مان؟ طب ما كان سموه 'الرجل الطائر' وخلاص.. إيه التعقيد ده؟ وبعدين الرسم ده بيفكرني بالصور اللي كانت على علب اللبان زمان."

​الحفيدة: "يا جدو، ده فن.. فنانين كبار هما اللي بيرسموا ده."

​الجد: "ماشي يا ستي.. شكراً على 'الكوميكس' ده، بس أنا هرجع لكتابي 'الأيام' لطه حسين، على الأقل مفيش فيه بلونات طالعة من دماغ حد!"

​ضحكت الحفيدة وقبلت رأس جدها، بينما ظل الجد ينظر للقصة خفية بعد أن خرجت، محاولاً فهم كيف يمكن لهذه الصور أن تحكي قصة كاملة دون "مقدمة وعرض وخاتمة" كما تعود.


الخلاصة: رسالة القصة

​تعكس هذه القصة الفجوة الثقافية والتقنية بين الأجداد والأحفاد، ولكنها تظهر في الوقت ذاته أن الحب والفضول هما الجسر الذي يربط بين "زمن الطيبين" وعصر "الكوميكس". الجد يحاول أن يفهم لغة حفيدته ليبقى قريباً منها، والحفيدة تحاول تبسيط عالمها المعقد لمن تحب.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب كليلة ودمنة( الجزء الثامن )

تلخيص كتاب كليلة ودمنة (الجزء الأول)

تلخيص كتاب كليلة ودمنة ( الجزء الخامس )

فيس بوكتويتر لينكد ان بنترست واتس اب

انضم إلى مدار الوعي

هل أنت مستعد لتلقي تحديثات الوعي القادمة؟ أرسل بريدك الإلكتروني لتفعيل الاتصال.