كليلة ودمنة فى العصر الحديث ( الجزء الثانى عشر )
كليلة ودمنة فى العصر الحديث
![]() |
| صورة تعبر عن باب الراعي والذئب والخروف الجزء الثالث |
باب الراعى والخروف والذئب
الحلقة الثالثة
تعد قصص الرعاة والقطيع من أقدم الوسائل التربوية التي استخدمها الإنسان لنقل الحِكم والتجارب للأجيال. هذه القصة، التي تبدأ بفقدان خروف وتنتهي بدرس عميق عن الثقة، ليست مجرد حكاية للأطفال، بل هي مرآة تعكس علاقاتنا الإنسانية وكيفية اتخاذ القرارات في لحظات الخطر.
الفصل الأول: لحظة الغروب واكتشاف الفراغ
كانت الشمس تميل نحو الغروب، وتصبغ الأفق بلون أرجواني دافئ، حين بدأ الراعي "أمين" بجمع قطيعه للعودة إلى الحظيرة. اعتاد أمين أن يتفقد خرافه واحداً تلو الآخر، فهو لا يعاملهم كحيوانات فحسب، بل كأصدقاء يعرف طباع كل واحد منهم.
وقف الراعي عند مدخل الممر الضيق، وبدأ يعد: واحد، اثنان، عشرة، خمسون... وفجأة توقف قلبه عن الخفقان للحظة. هناك نقص! الخروف "مغامر"، ذلك الخروف الصغير ذو الصوف الكثيف والفضول الزائد، ليس بين القطيع.
ساد الصمت لبرهة، ثم قطع الراعي هذا الصمت بسؤال حمل في طياته نبرة القلق: "أين الخروف؟ أين مغامر؟ لقد كان هنا منذ قليل!"
الفصل الثاني: العتاب في غير وقته
نظر أفراد القطيع إلى بعضهم البعض في ارتباك، حتى تقدم كبش رزين وقال بصوت منخفض:
"يا سيدي الراعي، لقد رأيته قبل ساعة من الآن يسير بمفرده ناحية تلك الشجرة الضخمة الموجودة في أول القرية. لقد ناديت عليه بصوت عالٍ وحذرته من الابتعاد، ولكنه لم يلتفت إليَّ، واصل سيره وكأنه مسحور بشيء ما."
اتسعت عينا الراعي وسأل بمرارة: "ولماذا لم تخبرني في وقتها؟ لماذا تركت زميلك يبتعد وأنا واقف بينكم؟"
أطرق الكبش رأسه وقال بحرج: "رأيتك غارقاً في عزفك على الناي، كانت الألحان تخرج من قلبك وتملأ الوادي سكينة. كنت أعلم كم تحب تلك اللحظات، ولم أرد أن أفسد عليك خلوتك، فأنا أعرف أنك لا تحب أن يقاطعك أحد أثناء العزف."
الفصل الثالث: صوت الحكمة وسط الفوضى
بدأ الجدال يحتدم بين أفراد القطيع، وبدأ اللوم يلقى يميناً ويساراً، هنا تدخل "صخر"، كلب الحراسة الوفي، الذي كان يراقب الموقف بعينين ثاقبتين. نبح صخر نبحة قوية أسكتت الجميع، ثم قال بحزم:
"توقفوا! هذا ليس وقت العتاب أو تبادل التهم. الخلاف الآن لن يعيد الخروف، بل سيمنح العدو وقتاً أطول. فلنبحث عن الخروف أولاً، وبعد أن نؤمن سلامته، نعاتب بعضنا على تقصيرنا. ربما يكون الخروف الآن في خطر محدق، والثواني قد تصنع فارقاً بين الحياة والموت."
أومأ الراعي برأسه موافقاً وقال بصوت يملؤه الندم: "معك حق يا صخر. يبدو أن هذا الخروف الصغير قد وقع في فخ "عابر"، ذلك الذئب الماكر الذي يحوم حول القرية منذ أيام. لقد حذرته مراراً ألا يصدق الغرباء، ولكن يبدو أن فضوله غلب حذره. هيا بنا جميعاً، لن نعود إلا ومغامر معنا!"
الفصل الرابع: الرحلة نحو بيت الذئب
انطلق الجميع في رحلة سباق مع الزمن. كان القمر قد بدأ يظهر في السماء، يلقي بضوئه الفضي على الطريق الوعر. تتبع صخر الكلب الأثر بحاسة شمه القوية، متجهاً نحو مغارة قديمة في أطراف الغابة تعرف بـ "بيت الذئب".
عندما وصلوا إلى المكان، ساد هدوء مريب. كان البيت عبارة عن كوخ حجري مهجور تحيط به الأشجار الكثيفة. بدأ أفراد القطيع بالثغاء والنداء بصوت واحد: "مغامر! هل أنت هنا؟ أجبنا!"
وفجأة، جاء صوت ضعيف ومرتجف من خلف الباب الخشبي الثقيل: "أنا هنا! يا إلهي، لقد جئتم! لقد خدعني الذئب بكلماته المعسولة واستدرجني إلى هنا بحجة أراني مكاناً مليئاً بالعشب الأخضر، ثم حبسني ليأكلني عند منتصف الليل!"
الفصل الخامس: المواجهة والهروب الكبير
بمجرد سماع صوت الخروف، بدأت كلاب الحراسة بالنباح الجماعي المخيف الذي زلزل أركان المكان. كان الذئب في الداخل يستعد لوليمته، لكنه صُدم بجيش من الكلاب والراعي والقطيع يحيطون بمسكنه.
أدرك الذئب أنه لا مفر من المواجهة المباشرة، فقفز بذكاء نحو النافذة العلوية، ومنها إلى سطح البيت، ثم انطلق هارباً في أعماق الغابة المظلمة، مفضلاً النجاة بجلده على وجبة دسمة قد تكلفه حياته.
في تلك الأثناء، لم ينتظر الخراف أوامر الراعي، بل اندفعوا بقرونهم القوية يضربون الباب الخشبي المتهالك بكل قوتهم. ضربة تلو الأخرى، حتى تحطم القفل واندفع الباب مفتوحاً.
خرج "مغامر" يركض وهو يبكي من الفرح والخوف معاً، ارتمى وسط القطيع وقال بأسف شديد: "لقد كنت أحمقاً! لقد وثقت في ذئب لمجرد أنه ابتسم لي وتحدث بلطف. أنا المخطئ لأنني أعطيت أماني لمن لا أعرف."
الفصل السادس: الدرس الكبير وقواعد الثقة
بعد أن هدأ الجميع وعادوا بسلام إلى الحظيرة، جلس الراعي أمين وحوله القطيع، وكان الخروف "مغامر" يجلس في الوسط مطأطأ الرأس. لم يعنفه الراعي، بل وضع يده على رأسه وقال بهدوء:
"يا بني، الحياة ليست دائماً كما تبدو في الظاهر. الثقة هي أغلى ما نملك، ولا يجب أن تمنحها كهدية مجانية لكل عابر سبيل. اسمعوا جميعاً وافهموا هذا الدرس: لا تثقوا إلا بمن عاشرتموهم، وعرقتم معادنهم في الشدائد قبل الرخاء."
وتابع الراعي نصائحه الذهبية التي يجب أن يكتبها كل إنسان في قلبه:
- الحذر واجب: عامل الغريب باحترام وأدب، لكن أبقِ مسافة أمان بينك وبينه حتى يثبت العكس.
- الملاحظة الذكية: حتى مع من تثق بهم، كن لماحاً. إذا لاحظت تغيراً مفاجئاً في سلوك صديق أو قريب، لا تتجاهل الأمر، بل ابحث عن السبب بعقلانية.
- الجماعة قوة: الفرد بمفرده صيد سهل، لكن في الاتحاد قوة ترهب حتى أعتى الذئاب.
انتهت الليلة بنوم عميق وهادئ للجميع، لكن "مغامر" لم ينسَ قط ذلك الدرس، وأصبح فيما بعد أكثر خراف القطيع حكمة وحذراً.
نصائح تربوية مستفادة من القصة:
- أهمية العمل الجماعي: كيف استطاع القطيع والكلاب والراعي العمل كفريق واحد للإنقاذ.
- الوعي الاجتماعي: تعليم الأطفال والشباب عدم الانسياق وراء الغرباء (Cybersecurity & Personal Safety).
- إدارة الأزمات: درس الكلب "صخر" في تأجيل العتاب وقت الخطر.
سنكمل باقي كليلة ودمنة فى العصر الحديث في الأجزاء التالية:

تعليقات