تلخيص كتاب كليلة ودمنة ( الجزء الخامس عشر )
يُعد "باب السائح والصائغ" (ويُعرف أيضاً بباب السائح والصائغ والحيوانات) من أكثر قصص "كليلة ودمنة" حيوية وتأثيراً في النفس، إذ يطرح تساؤلاً أخلاقياً قديماً: هل الإنسان بطبعه أكثر وفاءً من الحيوان؟
![]() |
| السائح يخرج الصائغ من البئر: اللحظة التي سبقت الخيانة. |
باب السائح والصائغ: صراع الوفاء والخيانة وفلسفة "المعدن البشري"
في هذا الباب، يأخذنا الفيلسوف "بيدبا" إلى رحلة عميقة داخل الغابة، ثم إلى قلب المدينة، ليكشف لنا التناقض الصارخ بين غريزة الحيوان الوفية وبين طمع الإنسان الغادر. إن قصة "السائح والصائغ" ليست مجرد حكاية للأطفال، بل هي "مانيفستو" في علم الاجتماع الأخلاقي والسياسي.
أولاً: السياق الدرامي (رحلة السائح وبئر الإنقاذ)
تبدأ القصة بـ "سائح" (رجل صالح متعبد يجوب الأرض) يمر ببئر عميقة في الغابة، فيسمع فيها جلبة وأصوات استغاثة. عندما نظر في البئر، وجد أربعة كائنات علقت في فخ واحد: نمر، وحية، وقرد، وإنسان (يعمل صائغاً).
هنا يضعنا ابن المقفع أمام لحظة "الاختيار الأخلاقي". السائح، بدافع الرحمة، قرر إنقاذ الجميع. ولكن المثير للدهشة هو رد فعل الحيوانات الثلاثة؛ فقد حذره كل من النمر والحية والقرد من إنقاذ "الإنسان" الموجود معهم، قائلين له: "أنقذنا نحن، واترك هذا الإنسان، فإنه لا أصل لوفائه، وهو أكثر الكائنات غدراً".
ثانياً: مفارقة الوفاء الحيواني
على الرغم من تحذيراتهم، أنقذ السائح الجميع. وهنا يبدأ الفصل الثاني من القصة؛ حيث أظهرت الحيوانات وفاءً منقطع النظير:
- القرد: قدم للسائح أطيب الثمار والفاكهة عندما مر بأرضه.
- النمر: تذكر فضل السائح، فقام بجلب حلي وجواهر ثمينة (تعود لابنة الملك) وقدمها للسائح كهدية تعبيراً عن امتنانه.
- الحية: وعدت السائح بأنها ستكون في خدمته إذا مسه سوء.
الدرس الفلسفي: الحيوان في "كليلة ودمنة" يمثل الطبيعة الفطرية الصادقة؛ فهو لا ينسى الجميل، ورد فعله تجاه الإحسان هو رد فعل غريزي إيجابي.
ثالثاً: خيانة الصائغ (سقوط المعدن البشري)
عندما وصل السائح إلى المدينة ومعه الجواهر التي أهداها له النمر، توجه إلى صديقه "الصائغ" الذي أنقذه من البئر، ظناً منه أنه سيساعده في تقييمها أو بيعها.
لكن الصائغ، بمجرد أن رأى الجواهر وعرف أنها تعود لابنة الملك، لم يفكر في "الدين" الذي في عنقه للسائح الذي أنقذ حياته من الموت عطشاً في البئر، بل فكر في "الجائزة والمطمع". ذهب الصائغ إلى الملك وشيى بالسائح، متهماً إياه بقتل الأميرة وسرقة حليها.
تحليل سيكولوجي: يجسد الصائغ هنا "الأنانية المطلقة". إنه يمثل صنفاً من البشر يرى في الآخرين مجرد أدوات لتحقيق مصالحه، حتى لو كان ثمن ذلك حياة من أنقذه.
رابعاً: العدالة الإلهية وتدخل "الحية"
ألقى الملك السائح في السجن وحكم عليه بالإعدام. في تلك اللحظة الحرجة، ظهر وفاء "الحية". تسللت الحية إلى قصر الملك ولسعت ابنه الوحيد، ثم ظهرت للسائح في السجن وأخبرته أن العلاج الوحيد لسمها هو "رقية" يعرفها السائح وحده.
عندما عجز أطباء المملكة عن علاج الأمير، أُحضر السائح، فاشترط براءته مقابل العلاج. شُفي الأمير، وكُشفت الحقيقة، فأنصف الملك السائح، وعاقب الصائغ الخائن أشد عقاب.
خامساً: الأبعاد السياسية والاجتماعية (رسالة ابن المقفع)
لم يكتب ابن المقفع هذه القصة اعتباطاً، بل أراد إيصال رسائل حاسمة:
- الحذر من "بطانة السوء": الصائغ يمثل المستشار الطماع الذي يضلل الحاكم من أجل منفعة شخصية.
- قيمة المعروف: المعروف لا يضيع عند الكرام، لكن اللئيم لا تزيده النعمة إلا جحوداً.
- نسبية الوفاء: أحياناً نجد الأمان في الغابة وبين الحيوانات المفترسة أكثر مما نجده في المدن المكتظة بالبشر "المتحضرين".
سادساً: تحليل الشخصيات (الرموز والدلالات)
- السائح: يمثل "الضمير الحي" و"العمل الصالح" الذي يواجه مخاطر الحياة بقلب سليم.
- الصائغ: هو رمز لـ "المادة" التي تطغى على "الروح". اختياره كصائغ (يتعامل مع الذهب) رمز لبريق الدنيا الذي يعمي البصر والبصيرة.
- الحيوانات (النمر، القرد، الحية): تمثل "القوى الطبيعية" التي تنحاز للحق حين يغيب العدل البشري.
سابعاً: دروس للمجتمع المعاصر (تطبيقات عملية)
في حياتنا المهنية والاجتماعية، يمكن استلهام الكثير من هذا الباب:
- في العمل: لا تضع ثقتك المطلقة فيمن أنقذتهم، بل تتبع أفعالهم.
- في العلاقات: الوفاء هو العملة الصعبة التي لا تُشترى بالمال، بل تُختبر في الأزمات.
- في الإدارة: على القائد أن يتثبت من "الوشاية" ولا يتسرع في العقاب، فرب بريء يُظلم بسبب طمع واشٍ.
خاتمة المقال: انتصار الفطرة على الخديعة
تنتهي قصة السائح والصائغ بتأكيد حقيقة كونية: "أن الصدق منجاة". لقد أنقذ الصدق السائح، بينما أهلك الطمع الصائغ. يتركنا ابن المقفع مع تساؤل مرير: "كيف استطاعت الحية والنمر أن يعرفا قدر المعروف، وعجز الإنسان (الصائغ) عن ذلك؟".
إن هذا الباب يظل حياً في وجدان الأدب العالمي، لأنه يلمس وتراً حساساً في طبيعتنا البشرية، ويدعونا دوماً لأن نكون أكثر وفاءً، وأقل طمعاً.
مقدمة
سيرة ابن المقفع وفلسفة "كليلة ودمنة"
رحلة البحث عن كنز الهند: قصة "برزويه" والمهمة المستحيلة لإحضار كليلة
كليلة ودمنة: رحلة الحكمة من قصور الهند إلى أدب العرب (تحليل شامل)
الدليل الشامل لملخص كتاب كليلة ودمنة
باب الحمامة المطوقة وإخوان الصفاء
باب الحمامة والثعلب ومالك الحزين

تعليقات